عمر فروخ

113

تاريخ الأدب العربي

والذي يطمئنّ اليه الباحث « 1 » أن الخليل بن أحمد قد أدرك الفائدة من تقييد ألفاظ اللغة تقييدا شاملا آليّا . أما التقييد الشامل ففي جمع ألفاظ اللغة كلّها على خلاف ما جرت به الرواية ثم جرى عليه التأليف فيما بعد من تصنيف كلام العرب : الألفاظ المتعلّقة بالنبات ( بالنخل مثلا ) أو بالحيوان ( بالإبل ، بالخيل ) أو بالإنسان . وأمّا التقييد الآلي فهو ترتيب الكلمات بحسب صورتها الظاهرة من الحروف لا على الترتيب المنطقي ( تعداد أسماء الأعضاء وأفعالها في الحيوان مثلا : الرأس ثم الصدر ثم البطن وما فيها أو يتعلّق بها ) . وإذا كان ليس ثمّة مانع من أن يكون الخليل بن أحمد قد وقع على هذه الفكرة المزدوجة ثم وضعها موضع التنفيذ بأن بدأ تأليف أوّل معجم للّغة العربية ، فإنّ من المعقول جدّا أنّ تأليفه هذا كان ناقصا مشوّشا كثير الخلط والخطأ وأن يكون الذين جاءوا بعده قد استدركوا عليه أشياء ناقصة فأضافوها وأشياء خاطئة فأصلحوها . وقد سمّى الخليل بن أحمد كتابه : كتاب العين لأنه نسق الكلمات فيه بحسب مخارجها من الفم وبدأ بأقصى تلك الحروف مخرجا من أقصى الحلق فإذا هو العين ، فإذا الترتيب كالتالي : ع ح ه خ غ ق ك ج ش ض ص س ز ط د ت ظ ذ ث ر ل ن ف ب م ء ي . ويحسن أن نشير إلى أنّ ترتيب الكلمات كان على الحرف الأخير لا على الحرف الأوّل : نبع ، منع ، ينع ، جمح ، صدح ، بده ، دله الخ . . . ثم إن الدارسين المعاصرين يرون أن هذا الترتيب منقول عن السنسكريتية ( لغة الهند ) لشبهه بالترتيب في المعاجم السنسكريتية . قال ابن سلّام الجمحيّ « 1 » : « ثم كان الخليل بن أحمد . . . . فاستخرج العروض واستنبط منه ومن علله ما لم يستخرجه أحد ولم يسبقه إلى مثله سابق » ( ولم يذكر هنا كتاب العين ) .

--> ( 1 ) راجع المزهر للسيوطي ( شرحه . . . . محمد جاد المولى ، محمد أبو الفضل إبراهيم ، علي محمد البجاوي ) ، مصر ( مطبعة عيسى البابي الحلبي ) ، الطبعة الأولى ( بلا تاريخ ) 1 : 76 - 92 ؛ تاريخ آداب اللغة العربية ، تأليف جرجي زيدان ( طبعة جديدة راجعها وعلق عليها الدكتور شوقي ضيف ) ، مصر ( دار الهلال ) 2 : 140 - 144 ؛ نظرة تاريخية في حركة التأليف عند العرب ، للدكتور أمجد الطرابلسي ، دمشق ( مطبعة الجامعة السورية ) 1374 ه - 1955 م ، 1 : 21 - 25 .